كثيِرٌ من الصّبر نحتَاجُ يا الله ، لأنّنا نعطِيهم أكثَر مما يستحِّقون يَرون بِنا ضعفاً ، ليسْهُل عليهم التّلويحُ لنا مودّعينْ - غالباً ما يرحَلونْ من غيرِ تلويِحَة - فأحياناً لا يسعِفُهم الوقَت للملمَت أشيائِهم التيِ أخذوها منّا وامْتِطاء القِطار المسافِرينْ به إلى مكانٍ ما ، بعيداً جداً عن قُلوبنا
كثيِرٌ من الصّبر نحتَاجُ يا الله ، هُنا وجَع متمكّنٌ من الذّاكِرة ، في كل لحظَة حنينْ تعُود بي ذاكرتيِ إلىَ لِقاءٍ أو حديثٍ ما ، مشيرةَ بأصابِعها إلى أدّق التّفاصيلْ ، لا تمنَحني الفُرصة لإغماضِ عينيِ دَقيقَة واحِدة إلا وقد انتْهَت من رسمِ وُجوهَهم بينَ جفنيِ وعينيّ
لأسقُط - ملءَ الفقَد ، وملء بَشاعة الغيابِ - طَريحاً عَلى بساطِ الحَنينْ الذي ينزَوي - بعد أن أهلكْ - إلىَ أخر الرّف من العُمر
فَيعود بعدَ حينْ محمّلاً بالكَثير من الأمنياتِ المرهقة والمتعِبة حدّ الصّراخِ عُمراً
كثيِرٌ من الصّبر نحتَاجُ يا الله ، حُلم قاسٍ حدَّ تمرّغِ روحيِ قهَراً على قارعَة الطّريقْ الذي يعْبُره الزّمن راكضاً غَير مبالٍ بما في أيدينا أو سلالنا المتْخَمة أحلاماً ليصْطدم بهنّ حدّ تبْعثرهن تحتَ أقدامه . . فنجْثوا لنلتَقط انْكساراتنا واحداً تلو آخر
والزّمن يجريّ حاملاً معه أعمارنا ، ساحقاً تحت أقدامه أحلامنا ، هازئاً بأمنياتِنا ، ساخراً من بكائِنا
كثيِرٌ من الصّبر نحتَاجُ يا الله ، فذواتُنا محطّمة وحَياتُنا باتَت علىَ شفا حفْرَة من سُقوط، أن نَهويّ من سطْح أحلامِنا فهَذا هُو الألم ، أمّا أن نفقِد أحلامنَا فهَذا معنىً مرادِفاً للمَوتْ ، لمَ خُلقْنَا ملازِمينَ للأحلامْ بما أنّها لا تتحقّق ؟
لمْ يغْرِسون فينا أمنِيات لا تنجِبُ إلا قهْراً ودمعاً وإعياءً للعُمر ؟
كَثيرٌ هَذا الارْهاقُ ، والذّاكرة معطوبَةٌ موبوئة محمُومَ
كيفَ افْراغُ الذاكِرة من كلّ شيءٍ . . ؟
كيفَ أجعَلها تتقيأ كل الذّكرياتِ وتزْفُر كل الوجُوه والاشْخاص ، وتخرسُ كل الأصوات وتَعمى عن المَاضي بأكمَله ؟
كيفَ اقْنِعُها بأن الذينَ رحلُوا قد رحَلوا ، والذينَ خانوا قد خانُوا ، والذينَ سقطَت أقنعتُهم قد سقطَت اقنِعتهم . .؟
كيفَ أقنعُها بأنّ الجراحَ ستلتئمُ يوماً دونَهمْ ، وأنّ الحَياة تمضي تمضي تمضي ، ولا تتوقّف لخَسارَة ما
ها أنا ذا عمريّ كلّه خسارات متتالَية ، ولا يزالُ عمريّ يجريِ ، يسبِقُ أحلامي ببعضِ خيبَة ،ويسبِقُ خَطواتيِ ببعضِ سنينْ مؤلِمَة
ها أنا ذا عمريّ كلّه خسارات متتالَية ، ولا يزالُ عمريّ يجريِ ، يسبِقُ أحلامي ببعضِ خيبَة ،ويسبِقُ خَطواتيِ ببعضِ سنينْ مؤلِمَة
كثيرٌ من الصّبر نحتاجُ يا الله ، بَعد أن أيقنّا أن أكثرَ الوَجوه مزيَّفة
وأكثَر القُلوب لا تضخُ الحَياة بل الموت
وأكثَر الابتِسامات هي سخْرية ، وأكثَر العُقول عاطِلة ، وأكثرُ الأماكِن سِعة باتت بنا ضيّقة
كثيرٌ من الصّبر نحتاجُ يا الله ، كثيرٌ من الصّبر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق